أنشطة و فعاليات

خواطر مغترب

خواطر مغترب

بقلم أ. عبدالله العبيد

طلب مني الأخوة الفضلاء في شركة Future Graduates أن أكتب مقالا أتكلم فيه عن تجربتي في الإغتراب الدراسي و كيف عملت على الاستفادة منها في تطوير نفسي و تنمية معارفي و اكتساب مهارات حياتية و تعليمية تعود علي بالنفع في دراستي و عملي و حياتي. و طلبهم الأخوي مني كتابة هذا المقال ما هو إلا حسن ظن بي و إلا فأنا أعرف طلابا مغتربين لديهم تجارب أفضل و أنجح مني و أنا في الحقيقة مدين لهم لما أسدوه من نصائح مهمة و تجارب شخصية كانت معينا لي في غربتي الدراسية حيث استفدت منها و وظفتها في سبيل تحقيق أهدافي الدراسية. لا أستطيع أن أتكلم عن جميع تجاربي التي مررت بها خلال ما يقارب الخمس سنوات ما بين دراسة اللغة الإنجليزية ثم دراسة الماجستير و الآن دراسة الدكتوراة. لكني سأقتصر على ما أعتقد أنها أهم النقاط التي لها أثر في غربتي الدراسية والتي قد يستفيد منها الآخرون.

١ ـ أول النقطة هي وضوح الهدف في ذهن الطالب الذي يعتزم الدراسة في الخارج. فعليه أن يسأل نفسه لماذا يريد الدراسة في الخارج و ماهو دافعه؟ أهي الشهادة فقط من أجل الوظيفة أو اكتساب المعرفة الجيدة النافعة أم البحث عن المجد و الشهرة؟ ثم عليه بعد ذلك أن يحدد مجال تخصصه الأكاديمي الذي يرغب دراسته؟. لا ترمي بنفسك في بحر لجة الغربة و أنت لا تعلم وجهتك فتضيع و تتهيه و لا تصل إلى شاطيء النهاية. نعم قد يغير الإنسان هدفه و تخصصه الأكاديمي أثناء دراسته و هذا ليس عيبا لأنه قد يكتشف عدم ملاءمة التخصص والهدف السابق لحياته. لكن عليه أن يكون مقتنعا بهذا التغيير و بما يعمله لا أن يكون مفروضا عليه من أقاربه أو متأثرا بأصدقائه أو مبهورا بالدعايات الإعلامية و التسويقية. ففي النهاية أنت من ستدرس وتحمل الشهادة و أنت من سيعمل. إذا فالتكن واضحا مع نفسك في الغاية و التخصص و ليرافق هذا الوضوح إيمان و قناعة بهما حتى يكونا عاملين حيويين في دفع الطالب للاجتهاد في الدراسة.

٢ ـ عندما يرتسم في ذهن الطالب هدفه من الدراسة و عندما ترسخ القناعة في قلبه عليه أن يمم شطره إلى ترتيب وقته و إدارته حتى ينجز هدفه في الوقت المطلوب. لعل من أكثر الأمور التي تفسد على الطلبة الإنجاز في دراستهم هو عدم ترتيب الوقت و إضاعته في اللهو و اللعب و الخروج مع الأصدقاء و هذا الأمر يكثر في في فترة دراسة اللغة الإنجليزية. إلتقيت بعدد من الطلبة الخليجيين في بريطانيا و الذين شكوا لي عدم اتقانهم الحد الأدنى من اللغة الإنجليزية و الذي يخولهم الدراسة في الجامعات البريطانية رغم أنهم قضوا ما يزيد على السنة مغتربين و دارسين للغة. لكن تبين لي بعد ذلك أن جل وقتهم لم يكن للدراسة الجادة و أنهم يكتفون فقط بأخذ اليسير من معاهد اللغة و بقية وقتهم يقضونه مع أصدقائهم الخليجيين و الذين يتحدثون بطبيعة الحال نفس لغتهم و لهجتهم، و المحصلة إذا "لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى". و لو أنهم نظموا وقتهم ما بين الدراسة في المعاهد و الذهاب إلى المكتبات و الاستماع أو مشاهدة المفيد النافع و النوم و الاستيقاظ المبكر إضافة إلى تجنب مجالسة أبناء جنسهم لغير ضرورة أو فائدة لكانت لغتهم أقوم و أفضل.

٣ ـ و بما أن الصاحب ساحب فإن من تصاحبه أثناء غربتك قد يكون عونا و سندا لك في دراستك سواء في تنظيم وقتك أو في تحفيزك و تشجيعك على المثابرة و الاجتهاد في الدراسة. أضف إلى هذا إذا كان مجتهدا و متوفقا فإنه لن يبخل عليك بالنصائح و التوجيهات النافعة و التي . أما إذا كان على النقيض من هذا فسكون أنت المتضرر الأكبر و قد تدخل في مشكلة تلو مشكلة و لن تجده يمد يد المساعدة بل سيزيد الطين بلة و قد يدفعك دفعا إلى مهاوي الفشل الدراسي. قد يعتقد البعض أن في هذا مبالغة لكن يستطيع المرء أن يستشعرها في الدراسات العليا تحديدا (الماجستير و الدكتوراة) و كذلك في حالة دراسته في الجامعات ذات السمعة العالية و الجادة.

٤ ـ أمر آخر و دائما ما كنت أردده و أقوله لغيري من الطلبة و الزملاء و هو احرص على التعلم أكثر من الدراسة. فالتعليم أشمل و أوسع مداركا من الدراسة، لأن الثانية محصورة فقط بين أسوار المعهد أو الجامعة حيث تتلقى المعلومات و المعارف من الأساتذة و الدكاترة. أما التعليم فهو لا يقتصر على ذلك و إنما يكون بقراءة كتب أخرى مساعدة على الفهم تطوير دارستك و حضور المحاضرات و الفعاليات الثقافية و مشاهدة و سماع برامج و محاضرات بل حتى الأشياء المنوعة الترفيهية ذات الفائدة الثقافية. هذه الأمور تخرجك من ضغط الدراسة و تضفي عليها جوا من المتعة و الأريحية و المرونة المصحوبة بالفائدة.في الحقيقة جربتها بنفسي و وجدت فيها إضافة قيمة سواء في فترة تعلمي اللغة الإنجليزية التي اكتسبت فيها ثروة لغوية أو في فترة الدراسات العليا التي أمدتني بمعلومات و فوائدة و أفكار ثمينة ساهمت في تطوير و تحسين دراستي.

٥ ـ النقطة الأخيرة عدم اليأس و القنوط إذا ما واجه الطالب بعض العقبات أو الإخفاقات الدراسية. فالاستسلام سيهدم كل شيء بناه و سعى له الطالب. و ليعلم أن المثابرة المستمر و التفاؤل (لا التمني الحالم) يمده بمدد دائم من الأمل في النهوض بعد كل كبوة لتحقيق النجاح الدراسي. لا يمنع الطالب عدم حصوله على الدرجة المناسبة في اختبار اللغة من المحاولات الأخرى حتى يصل لى مبتغاه. أعرف طلبة جربوا اختبار اللغة مرات عدة و كلها باءت بالفشل لكنه لم يفت من عضدهم و إنما على العكس من ذلك تماما كان عامل تحفيز و مواظبة على الدراسة الجادة إلى أن نالوا مبتغاهم. الأمر يصدق كذلك على الدراسة الجامعية و الحصول على قبولات من الجامعات فرفض جامعة ما لك قد يكون خيرة لك لأن تدرس في مكان أفضل لك.

هذه هي بعض أهم النقاط التي أراها مهمة و ضرورية لي أولا و للطلبة المبتعثين و التي قد تكون بمثابة الزاد المعنوي و الثقافي في غربتنا. لنحرص على استثمار الفرصة الذهبية التي تحصلنا عليها بدراستها في الخارج حتى تكون الجزء السعيد و الناجح و المفيد من ذاكرتنا.